أخبار العالم

الجيل الذي تربى على شاشة الهاتف.. هل ما زال يملك عقله وهويته؟ – الأسبوع


د.طارق هلال

مع بدء الهواتف في تشكيل عقولنا أكثر مما كانت عليه في المدرسة، هل رأينا أننا نعيش في عالم يعيش فيه الأشخاص من نفس العائلة في نفس الغرفة، ولكن كل واحد منهم على شاشة مختلفة؟

يتحدث الأطفال مع الشخصيات الموجودة في اللعبة أكثر مما يتحدثون مع والديهم، ويقضي الشباب وقتًا طويلاً في مشاهدة مجموعات صغيرة لا تتذكر شيئًا بعد ذلك، والعقول التي اعتادت على السرعة لدرجة أنها تفقد الصبر والتأمل والقراءة بعمق.

الشاشة ليست مجرد وسيلة للترفيه أو أداة للتواصل، بل أصبحت تدريجياً بيئة كاملة تغير أيضاً عقل الإنسان وثقافته وسلوكه. مع كل معلومة جديدة، وكل لعبة إلكترونية، وكل خوارزمية ذكية تتعلم ما نحب وما نكره، يتم إنشاء جيل جديد تختلف أفكاره ومشاعره وعلاقاته عن كل الأجيال السابقة.

إن أخطر ما في الأمر ليس استخدام التكنولوجيا، بل تصبح التكنولوجيا قوة تعيد خلق الإنسان.

بدأ العالم في السنوات الأخيرة يواجه مشكلة الاكتئاب، خاصة بين الأطفال والشباب. إن العقول التي اعتادت على التبديل السريع بين البرامج ومقاطع الفيديو القريبة لم تعد قادرة على التركيز لفترات طويلة من الزمن، أو القراءة بعناية، أو حتى الاستماع للآخرين، كما أن القدرة على التفكير والتحليل النقدي تتضاءل لصالح الاستجابات السريعة وردود الفعل الفورية.

فالمسألة لم تعد مجرد تغيير اجتماعي بسيط، بل تغيير نفسي واجتماعي له أثر عميق. لم يعد الإدمان الرقمي مصطلحًا مجردًا، بل أصبح ظاهرة يومية تتجلى في القلق عند انقطاع الإنترنت، والضغط النفسي الناتج عن عدم امتلاك هاتف، وضياع ساعات طويلة أمام الشاشات بلا هدف حقيقي.

ومع هذا الاتجاه، بدأت العزلة تتسلل بهدوء إلى المجتمع الحديث. لقد تراجعت العلاقات الإنسانية الحقيقية بسبب العلاقات الحقيقية، وأصبح لدى العديد من الأشخاص الآن آلاف المتابعين، لكن ليس لديهم شخص واحد يمكنهم التحدث معه بصراحة. اختفت الجلسات العائلية الطويلة، وتباطأت المحادثات، وتم استبدال العواطف بـ “أعجبني” أو الرموز التعبيرية.

أما القراءة التي كانت أساس صناعة المعرفة والثقافة، فقد تأثرت بعصر السرعة الرقمية. أصبحت الأجيال الجديدة تميل نحو القصص القصيرة والسريعة، فيما تضاءلت القدرة على قراءة الكتب الطويلة والدراسات والتحليلات. وهنا يكمن خطر حقيقي، لأن الدول لا تبنى بتمرير بنود، بل بالمعرفة العميقة والتفكير العميق.

وفي قلب هذه المشكلة، يُنظر إلى ألعاب الفيديو باعتبارها أحد أهم العوامل في إعلام الجيل الجديد. لم تعد الرياضة مجرد شكل من أشكال الترفيه، بل أصبحت عملاً تجاريًا عالميًا كبيرًا يتمتع بإمكانات كبيرة للتأثير على الأفكار والسلوكيات والثقافة. بعضها يحتوي على رسائل عنيفة، وبعضها يروج للانفصالية، وبعضها يفرض نزعة استهلاكية أو ثقافة غريبة عن العرب. والأخطر من ذلك أن بعض الألعاب تعتمد على أنظمة تعتمد على العقل لإبقاء اللاعبين على اتصال لأطول فترة ممكنة، من خلال المكافآت الفورية والتحديات المستمرة والإثارة المستمرة، وهو ما يشبه إلى حد كبير السلوكيات الإدمانية. أخلاقياً، ومع مرور الوقت، يصبح العالم الحقيقي أجمل من الواقع، والنجاح داخل اللعبة أهم من النجاح الحقيقي في الحياة.

لكن هذه القضية لا تتوقف عند أيديولوجيا الشعب وثقافته، بل تمتد إلى أمن الوطن وثقافة الشعب. إن البلدان التي ضاع فيها الإحساس بأجيالها، وأضعفت هويتها وانتمائها، معرضة لخطر التسلل الفكري والثقافي. فعندما ينشأ جيل يعرف عن الأشخاص المنخرطين في بلدان أخرى أكثر مما يعرف عن تاريخ بلده، ويتفاعل مع القضايا البعيدة أكثر مما يعرفه مع شعبه، فإن الخطر لا يكمن في الثقافة فحسب، بل في الأسلوب أيضاً.

أصبحت المنصات الرقمية أداة يمكنها تشكيل الرأي العام، وإلهام السلوك، والسيطرة على المصالح، وإعادة تعريف الاتجاهات والثقافة الاجتماعية. ولذلك فإن الحرب الحقيقية لم تعد حرباً، بل أصبحت حرب وعي وهوية وثقافة.

فالأمن القومي في عصرنا لا يقتصر على حماية الحدود فحسب، بل يشمل حماية مفهوم الإنسانية برمته من التعطيل، وحماية الإنسان من التدمير، وحماية الفرد من التحول إلى مستهلك رقمي لا مبالي وغير مشارك. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار التكنولوجيا عدوًا حقيقيًا، لأنها أداة تحمل إيجابيات وسلبيات. المشكلة ليست في الشاشة نفسها، بل في طريقة استخدامها، وعدم ملاءمتها، وترك الأجيال تواجه العالم الرقمي دون توجيه أو وعي أو حماية.

الخلاصة: اليوم لا يتعلق الأمر بحظر التكنولوجيا، بل ببناء ثقافة رقمية تعيد قدرة الإنسان على التفكير، والحفاظ على العلاقات الإنسانية، وتعزيز القراءة، وربط الشباب بثقافتهم وثقافتهم وقصص وطنهم. ولعل أخطر ما سنواجهه في المستقبل ليس تطور الذكاء الاصطناعي، بل تراجع الذكاء البشري نفسه في ظل الاتجاه الرقمي والتعطيل المستمر.

والسؤال الأكثر إلحاحاً هو: إذا كانت البرامج تثقف الأجيال وتغير أفكارهم ومشاعرهم وسلوكياتهم، فمن يملك مستقبل هذا الجيل حقاً؟

اقرأها مرة أخرىبين عدسة الكاميرا ومطب الطريق: كيف رسم أحمد أبو ناموس مشهد العين الرقمي؟

ممثل اليونيسف: مصر بدأت تنفيذ إحدى خطط إصلاح التعليم

من أجل مكان عمل بلا أوراق.. المطارات القابضة تبدأ التنفيذ الكامل لنظام التحول الرقمي