د.طارق هلال
إن ما يحدث في البلاد لم يعد مشكلة صغيرة أو صراعاً إقليمياً عابراً، بل أصبح أزمة عالمية تستعد فيها القوى الكبرى لإعادة رسم خريطة النفوذ والسلطة والقوة والتكنولوجيا. يواجه العالم فترة تاريخية تعود فيها قواعد النظام العالمي القديم، بينما يبرز شكل النظام العالمي الجديد وسط حروب اقتصادية وصراعات جيوسياسية وتنافس على السيطرة على المستقبل.
وفي قلب هذا التحول، يُنظر إلى الصين باعتبارها قوة عالمية صاعدة ومستقرة. ولم تعد بكين عملاقاً مالياً يبحث عن الأسواق، بل أصبحت لاعباً ناجحاً بمشروع متكامل يعتمد على القوة الاقتصادية والتطور التكنولوجي والسيطرة على سلاسل التوريد والطاقة والممرات الدولية. إن الصين تتحرك بهدوء، ولكنها تدرك أن العالم يواجه نقطة تحول من شأنها أن توفر العديد من الفرص للزعامة العالمية.
في المقابل، تواصل روسيا تأكيد حضورها كقوة عالمية، مستفيدة من ترسانتها العسكرية، وملفها القوي، وتحالفاتها المتنامية. تدرك موسكو أن النظام العالمي يمر بمرحلة إعادة توزيع السلطة، لذا فهي تتدخل كشريك رئيسي في تشكيل المرحلة التالية.

أما الولايات المتحدة فيبدو أنها تواجه مشكلة متعبة جداً بسبب مشاكل عديدة ومفتوحة. تتصاعد الأزمات الاقتصادية، والانقسامات السياسية داخل النظام السياسي، والمخالفات الانتخابية، وتصاعد الصراعات الدولية، والأزمات في عدة مناطق حول العالم. وقد دفع هذا الإرهاق الفكري العديد من القوى الدولية إلى اختبار حدود نفوذ أميركا وقدرتها على الاستمرار في قيادة النظام العالمي بمفردها.
وفي قلب هذه الفوضى، سيعود الملف الإيراني، وسيبدأ السجال من جديد، مع مزيد من الحديث عن القدرة على النظر إلى عمق إيران، وزيادة رسائل التحريم، في وقت تتحرك فيه المنطقة في منطقة صعبة للغاية يمكن أن تنفجر في أي وقت.
لكن المثير أن هناك المزيد والمزيد من المجموعات العربية بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة قطر والإمارات العربية المتحدة تحاول حل المشكلة ومنع المنطقة من الدخول في صراع كبير قد يسبب مشاكل في الشرق الأوسط وحول العالم. ويعكس هذا التحرك الوعي المتزايد بأن أي حرب كبرى لن تخلف عواقب عسكرية فحسب، بل إنها ستؤثر أيضاً على الاقتصاد العالمي، والطاقة، والاستقرار العالمي.
في العمق.
ورغم أن المناقشة هادئة، فإن المزيد من المقارنات تظهر أن إيران استغلت وقت السلم لإعادة تنظيم استعداداتها العسكرية واستراتيجيتها، من خلال تعزيز الدفاعات، وتحريك بعض المناطق الحيوية، وإعادة تجهيز مناطق مهمة تحسبا لحالات الطوارئ. وهذا ما يفسر استمرار القلق بين الدول والدول رغم الإجراءات الدبلوماسية.
ولم تعد المشكلة الحالية تتمثل في البرنامج النووي الإيراني، بل فيما يمكن أن نطلق عليه “الحرب العالمية”. إن العالم اليوم لا يخاف من الصواريخ والطائرات فحسب، بل يخشى أيضاً من تعطيل أعصاب الاقتصاد الدولي. وأي اضطراب في الخليج أو مضيق هرمز أو البحر الأحمر يمكن أن يتحول إلى زلزال اقتصادي عالمي، حيث تمثل هذه المناطق مصدرا مهما للطاقة والتجارة الدولية.
لكن الخطر الأكبر هو أن مضيق هرمز لم يعد حقلاً للنفط والغاز، بل أصبح جزءًا معروفًا من البنية التحتية للعالم. وتنقل خطوط الشحن الدولية التي تمر عبر المنطقة جزءًا كبيرًا من حركة الإنترنت والاتصالات والمعاملات المالية بين آسيا والخليج وأوروبا. وهذا يعني أن أي تصعيد عسكري أو أمني لا يشكل تهديداً للسلطة فحسب، بل يمكن أن يصل إلى الاتصالات العالمية والأسواق المالية والبنية التحتية الرقمية العالمية.
يعتمد عالم اليوم بشكل شبه حصري على الكابلات البحرية للإنترنت، والخدمات المصرفية، والأسواق، والاتصالات، والتعاون العسكري والتجاري. يمكن أن يؤدي الاستهداف المباشر أو غير المباشر لهذه الشبكات إلى حدوث اضطراب فني واقتصادي كبير. ولهذا السبب لم تعد القوى الكبرى تنظر إلى الأمن البحري باعتباره مسألة ملاحية، بل كجزء من الأمن الدولي والأمن الاستراتيجي.
وهنا تتضاعف خطورة الوضع، لأن الصراع لم يعد حول النفط وحده، بل أصبح صراعاً على إدارة الطاقة والبيانات والمعلومات في الوقت نفسه. يمكن لاختراق النفط أن يعطل الاقتصاد العالمي، في حين أن اختراق البيانات يمكن أن يعطل العالم بأسره.
ولهذا السبب بدأت العديد من البلدان في رفع مستويات الاستعداد والطوارئ للتعامل مع أي مشاكل محتملة في أسواق الطاقة وسلاسل التوريد والبنية التحتية الرقمية. وتشير الإحصائيات الدولية إلى أن ما يقرب من 80 دولة رفعت مستوى التأهب أو أعدت خطط طوارئ تحسبا لأي مشكلة قد تحدث بسبب انفجار الموارد في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تتزايد “الحروب الاقتصادية الصامتة” بين القوى العظمى. ولم يعد الصراع الحالي عسكريا، بل أصبح صراعا على المال والعقوبات والتكنولوجيا والسلاسل والأسواق الدولية. تستخدم الصين الثروة والتكنولوجيا كأدوات ضغط، وتستخدم روسيا القوة والجغرافيا السياسية، بينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على سيطرتها على الدولار والنظام المالي العالمي.
والأخطر من ذلك أن العالم يدخل ببطء إلى عصر “الحروب الذكية”، حيث لم يعد الصراع يعتمد على القوى العسكرية التقليدية، بل يشمل: الهجمات السيبرانية، وتعطيل البنوك وشبكات الكهرباء، ومراقبة البنية التحتية الرقمية، وحرب المعلومات وتعطيلها، واستخدام الطائرات بدون طيار والذكاء الاصطناعي، وتتبع الأقمار الصناعية وأنظمة الاتصالات. وأي صراع مستقبلي لن يكون حرباً عامة، بل صراعاً من أجل السيطرة على الثروة والسلطة والمعرفة والتكنولوجيا في الوقت نفسه.
الخلاصة: بالنظر إلى ما يحدث، لم يعد الناس يرون أن المشاكل بعيدة. والآن يخشى المواطنون العاديون في أوروبا وآسيا وأميركا التضخم، والعجز، والانحدار الاقتصادي، واحتمالات نشوب حرب كبرى من شأنها أن تغير نوعية الحياة في العالم بالكامل. ولهذا السبب أصبح القلق الشعبي جزءاً من الظاهرة العالمية. إن العالم اليوم لا يواجه مشاكل سياسية أو صراعاً عسكرياً فحسب، بل يواجه فترة تاريخية ستحدد معنى القوة، وحدود النفوذ، وشكل العالم القادم.
والسؤال الأكثر إلحاحا هو: هل ما نشهده مجرد تحسن مؤقت في التوتر بين القوى العظمى؟ أم أن العالم قد دخل بالفعل مرحلة التخطيط المسبق حيث يقوم بكتابة قوانينه الجديدة وسط أزمات الطاقة والتحديات التكنولوجية وارتفاع الانبعاثات من المناطق المضطربة في العالم؟
