ولم يعد استيراد السلع يمثل مشكلة، بل أصبح استيراد الأفكار فقط، وخاصة فكرة الأمن. فبدلاً من أن يكون الأمن عنصراً طبيعياً في بيئة الإنسان وثقافته وتاريخه، أصبح في كثير من بلداننا العربية شيئاً مستورداً، منقولاً كما هو، دون حل أو محاسبة أو تنسيق.
والمفاجأة المؤلمة هي أننا نمتلك المقومات التي تجعلنا قادرين على خلق نموذج للأمن المتكامل: لغة مشتركة توحد الضمير، ودين يخلق نظاماً أخلاقياً، ومكاناً مشتركاً، وتاريخاً طويلاً من بناء الأمة والحكم الإقليمي. ومع ذلك، فإننا نصر على استيراد المعدات الأمنية، وأحياناً استخباراتها، من دول تختلف كثيراً عن أصولنا وتصميماتنا.
لا يقتصر الأمن على الكاميرات أو الكاميرات الرقمية المتطورة أو العقود المبرمة مع الشركات العابرة للحدود. فالأمن، على وجه الخصوص، هو علاقة ثقة بين الحكومة والشعب، بين القانون والضمير، بين السلطة والإنسان. ولا يمكن تصدير هذه العلاقة بعد أن تم إعدادها، لأنها تنبع من داخل الناس أنفسهم، ومن طبيعتهم، وقيمهم، وطبيعة سلوكهم.
عندما نستورد نموذجًا أمنيًا، فإننا غالبًا ما نستورد مشاكله معه. إن البلدان التي أنشأت هذه النماذج فعلت ذلك استجابة لتحدياتها الخاصة: البلدان المتعددة الأعراق، أو قضايا الثقة السابقة، أو التهديدات الداخلية المعقدة. ولكننا نقدم الحل دون أن تكون لدينا المشكلة نفسها، أو دون أن نفهم جذورها، مما يخلق فجوة بين الأداة والواقع.
والأخطر من ذلك أن هذا الاستيراد لا يتوقف عند التكنولوجيا، بل يمتد فقط إلى “مفهوم الأمن”: كيف نفكر؟ ممن نحن خائفون؟ كيف نحدد المخاطر؟ وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لأننا ننتقل من الحالمين إلى المستهلكين، ومن الفاعلين إلى المقلدين.
ومن ناحية أخرى، يقدم التاريخ العربي والإسلامي أمثلة مختلفة للأمن، الذي لا يقوم على التحريم، بل على العدل والتعاون والعيش. وكانت المدينة محمية بأخلاق أهلها أمام أسوارها، وكان استقرارها بفضل ثقافة الشعب وليس فقط الأمن.
وهذا لا يعني رفض الاستفادة من تجارب الآخرين، بل العكس. إن عالم اليوم متصل ببعضه البعض، وتتطور تكنولوجيا الأمان بوتيرة سريعة جدًا. لكن الفرق بين الربح والإنتاجية هو الوعي. أخذ ما هو صالح لنا وإعادة تشكيله حسب احتياجاتنا، وليس الذوبان فيه.
يمكننا أن نكون مستوردين، وليس مصدرين. ليس فقط في مجال الأمن، بل في الاعتبار هو نموذج للتنمية ككل. إن العالم لا يحتاج إلى نوع معين من الخبرات الموجودة بالفعل، بل يحتاج إلى تجارب جديدة من مصادر مختلفة.
إن استيراد الأمن دون إنتاجه هو بمثابة بناء بيت بحجارة لا تنتمي إلى التربة. قد تبدو قوية في الظاهر، لكنها بلا روح وتبقى هشة في مواجهة الاختبار الحقيقي الأول.
الرهان في هذه الأيام لا يقتصر فقط على من لديه أحدث الاتجاهات، ولكن من لديه أفضل فهم لفريقه. الأمان الحقيقي لا يُشترى، بل يُبنى.
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث متميز في السياسة الدولية والصراع
اقرأها مرة أخرىورائحة ذي الحجة بشرى لمن لم يتمكن من أداء الصلاة المفروضة.
الصراع مع النفوذ والقوة والتكنولوجيا يعيد تشكيل النظام العالمي
