أخبار العالم

الكابلات البحرية كسلاح جيوسياسي.. كيف تفكر إيران في إعادة تشكيل موازين القوة؟ – الأسبوع


في كل مرة يتصاعد فيها التوتر بين إيران والغرب، يبدأ العالم بالحديث عن مضيق هرمز باعتباره “عنق القوة في العالم”. لكن ما يبدو غريباً الآن هو أن طهران ربما بدأت تبحث عن أسلحة قسرية أكثر تعقيداً وأرخص من إغلاق المضيق أو التهديد المباشر بتدفق النفط. مع استمرار الحرب الباردة في الخليج، واحتمال الصراع العسكري لا يزال قائما، ظهرت فكرة جديدة في دوائر الفكر الإيراني: استخدام الكابلات البحرية كورقة جيوسياسية شبيهة بورقة النفط والطاقة.

ولم تعد هذه الفكرة مجرد تكهنات، بل أصبحت موضوعا شائعا في مجال الأمن والتكنولوجيا يتحدث عن إمكانية فرض غرامات أو حظر أو مراقبة صارمة للكابلات البحرية التي تمر عبر الأراضي الإيرانية في البحر أو بالقرب من الأراضي الإيرانية، باعتبارها “سياسة جيدة” أقل أهمية من خطوط أنابيب النفط والغاز.

واليوم، لا يسافر العالم عبر ناقلات النفط فحسب، بل عبر البيانات أيضًا

يمر أكثر من 95% من حركة الإنترنت في العالم عبر الكابلات البحرية التي تصل تحت البحار والمحيطات، وتربط القارات والأسواق المالية والبنوك والمنظمات العسكرية وشركات التكنولوجيا الكبرى. ويشكل الخليج العربي والبحر الأحمر والمحيط الهندي ركائز هذا النظام العالمي المعقد.

وتدرك إيران أن الاقتصاد العالمي أصبح يعتمد على “تدفق البيانات” بقدر اعتماده على تدفق الطاقة.

ولذلك فإن أي تهديد للكابلات البحرية يمكن أن يسبب فوضى عالمية تتجاوز ارتفاع أسعار النفط. يمكن أن يؤثر تعطيل قنوات البيانات أو التأثير عليها على الخدمات المصرفية والأسواق المالية والمركبات الإلكترونية والاتصالات والعمليات العسكرية الغربية في المنطقة.

ومن هنا يمكننا أن نفهم ما الذي ستغيره إيران من «تهديد المضيق» إلى «السيطرة على المعدات الإلكترونية». ورغم أن إغلاق مضيق هرمز أصبح أسلوبا خطيرا للغاية قد يتطلب ردا عسكريا مباشرا من الولايات المتحدة وحلفائها، إلا أن بطاقة الكابل تبدو مرنة ولا تتعارض مع الاعتبارات القانونية والعسكرية، لكنها في الوقت نفسه تنطوي على إمكانات سياسية واقتصادية كبيرة.

ولا تعني المفاوضات الحالية أن إيران ستقطع الإنترنت الدولي أو كابلات الهجوم المباشر، لأن مثل هذه الخطوة يمكن اعتبارها إعلاناً للحرب السيبرانية. لكن التكتيك الأكثر شيوعاً الذي تتبعه إيران قد يكون فرض لوائح تنظيمية، أو خطوط أنابيب، أو قيود أمنية تحت ستار “حماية السيادة البحرية”، أو “منع التجسس السيبراني”، أو “السيطرة على الأجهزة الإلكترونية أثناء النقل”.

وبالنظر إلى الحرب الدائرة في المنطقة، فقد أصبح من الواضح أن هذا الصراع لم يعد حربا تقليدية، بل أصبح صراعا على كافة المستويات: ممرات الطاقة، وممرات التجارة، وممرات البيانات. وهنا تحاول إيران تقديم نفسها كلاعب لا غنى عنه في معادلة الأمن الرقمي العالمي، تماماً كما حاولت لسنوات تأكيد نفسها كلاعب لا غنى عنه في أمن الطاقة.

والشيء المثير للاهتمام هو أن هذه البطاقة يمكن أن تكون مفيدة جدًا في المفاوضات وليس فقط أثناء المعركة. تدرك إيران أن الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، يريد بقوة حماية سلاسل التوريد الرقمية العالمية، خاصة بسبب اعتمادها الكبير على الذكاء الاصطناعي، والخدمات السحابية، والأنظمة المالية العابرة للقارات. ولذلك، فحتى إظهار إمكانية «السيطرة» على الكابلات البحرية يمكن أن يدفع شركات الاتصالات في الدول الكبرى والدول الكبرى إلى فرض إنهاء الصراع مع طهران.

ويمكن لإيران أيضاً أن تستخدم هذه البطاقة لصالحها المباشر. وفي مواجهة العقوبات الفاشلة وتضاؤل ​​عائدات النفط، قد ترغب طهران في تحويل موقعها إلى مصدر جديد للدخل من خلال الغرامات أو الخدمات الأمنية أو الخدمات الاجتماعية المتعلقة بالبنية التحتية الرقمية. بمعنى آخر، تريد إيران أن تنتقل من دولة صغيرة تمر عبرها ناقلات النفط إلى دولة تمر عبرها «شرايين العالم».

لكن هذه الطريقة لها أيضًا مخاطر جسيمة. ولن تسمح القوى الغربية “بالسيطرة الإيرانية” على قنوات البيانات الحساسة. وقد يدفع ذلك الولايات المتحدة إلى تسريع مشاريع أخرى تتجاوز الخليج وإيران بشكل كامل، إما عبر البحر الأبيض المتوسط ​​أو عبر الطرق الهندية الأوروبية الجديدة التي تمت مناقشتها منذ سنوات.

وستكون إسرائيل أيضًا أحد الأطراف الأكثر تضرراً من ذلك، لأنها تعتمد بشكل كبير على الأسلحة الدولية في الأمن والتمويل والتكنولوجيا. وعلى تل أبيب أن تعمل بالتعاون مع واشنطن ولندن على إرساء الأمن والسيطرة على شبكة الكابلات البحرية في المنطقة، وربما زيادة القدرة على الاستعداد لهجوم حتى لا يكون لإيران تأثير حقيقي في هذا الملف.

ومن وجهة نظر أخرى، فإن إدخال مفهوم إدارة الكابلات يمثل تغييراً مهماً في التفكير الاستراتيجي الإيراني. وبدلاً من الاعتماد على الأسلحة التقليدية مثل الصواريخ والقذائف والمضايق، بدأت طهران تتبنى بقوة مفهوم “الحرب الهجينة”، حيث تتنافس التكنولوجيا والاقتصاد والحوكمة الرقمية مع القوة العسكرية التقليدية.

وينسجم هذا التغيير مع ثقافة العالم الجديد الذي أصبح يعتقد أن السيطرة على المعلومات أقل أهمية من السيطرة على الأرض. تتقاتل القوى العظمى اليوم على الرقائق الإلكترونية، وشبكات الجيل الخامس، والأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي، والكابلات البحرية، لأن من يسيطر على هذه الشبكات يتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي وأمني هائل.

ولذلك فإن الورقة الإيرانية الجديدة ليست هي الطريقة الوحيدة المرتبطة بالحرب الحالية، لكنها يمكن أن تكون بداية لخطة طويلة المدى تهدف إلى إعادة تعريف ثقافة إيران والدول الأخرى. تريد طهران أن تقول للعالم إنها ليست فقط بوابة النفط التي يمكن محاصرة العقوبات بها، بل هي الطريق الأفضل في النظام الرقمي العالمي الذي يصعب تجاوزه.

لكن السؤال الأهم هو: هل تمتلك إيران حقاً المهارات والقدرات والسياسة اللازمة لتحويل هذه الفكرة إلى فكرة مستدامة؟ حتى الآن تبدو الإجابة صعبة. وتتأثر الكابلات البحرية بالنظام الدولي، ويشارك في إدارتها وحمايتها التعاون الدولي والشركات الكبرى والدول الكبيرة ذات الإمكانات الكبيرة. ولذلك فإن أي محاولة من جانب إيران للسيطرة على هذا الملف ستواجه بمعارضة دولية قوية.

ولكن في عالم السياسة الدولية، فإن مجرد التهديدات أو القدرة على التوصل إلى تسوية تكون في بعض الأحيان كافية لإجراء المفاوضات.

ولعل هذا ما تراهن عليه إيران الآن: تحويل الكابلات البحرية إلى «مضيق هرمز الرقمي» الجديد، الذي سيوفر أوراقاً إضافية خلال الحروب المفتوحة والمفاوضات الصعبة.

في نهاية المطاف، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل صراعا جديدا، حيث لم تعد الحروب تدور حول النفط أو الحدود أو الجيوش، بل حول البيانات والتكنولوجيا. إذا كان مضيق هرمز يمثل شرياناً

اقرأها مرة أخرىبين الصعود والهدوء.. 5 أشياء أميركية على الطاولة الإيرانية

طهران تحضر أوراقها من جديد.. وتعيين قاليباف مسؤولاً عن ملف العلاقات الإيرانية الصينية

توسع أميركا واستعدادات إسرائيل.. هل تقترب المواجهة مع إيران من جديد؟