قبل أن تحكم على ترامب بأنه أحمق، تذكر أن أحكم رجل في تاريخ الإسلام اختار أن يبدو مجنونا.
في الثقافة المصرية الشعبية، عندما يفعل الإنسان شيئًا غبيًا ولا يفهم مقصده، يكتفى الناس بالقول: “يا له من أحمق! والعجيب أن أغلب من يقولها لا يعرف أصل الكلمة ولا حتى النطق الصحيح”.
قاسم الرجل يسمي بهلول وضمة وبا، وهو ليس ساحراً ضائعاً كما هو شائع، بل من أذكى الناس في التراث الإسلامي. وكان بهلول بن عمرو السر بالكوفي رجلاً عالماً وفقيهاً. عاش في العصر العباسي حيث كان الاقتراب من الحقيقة يحمله السيف، فاختار ما اختاره الحكماء عندما ضاقت سبلهم: “لبس قناع الجنون”. كان يستهزئ ويصرخ في الخارج، بينما كانت رسائله الحادة تخرج من تحت أنفه. الجميع، ولا أحد يجرؤ على إلقاء اللوم على المجنون.
بهلول لم يكن يهرب بسبب. في الواقع، كان يستخدمه قدر الإمكان في وقت لا تكون فيه الحقيقة محمية إلا إذا كان يرتدي قناع الهراء، وعندما تتابع دونالد ترامب بعين باردة، فمن الصعب ألا تتذكره.

لسنوات عديدة، تعامل الساسة ووسائل الإعلام الغربية مع ترامب باعتباره مشكلة يمكن التغلب عليها. لقد سخروا من لغته المرنة وعباراته التي بدت أقرب إلى دردشة المطاعم من صوت أقوى دولة في العالم. وفي كل مرة يتم الاستهزاء بالشخص، يزداد حضوره.
وهنا يبدأ الارتباك الحقيقي: هل كانت الفوضى عشوائية حقًا؟ وفي عصر اقتصاد الفائدة، لم تعد السياسة مدفوعة بالبرامج الانتخابية وحدها، بل بأولئك الذين يتحدثون بصوت عالٍ. لقد فهم ترامب القانون بمعرفة مدهشة، أو بحسابات باردة، ولا يشكل أي فرق في النتائج. وبينما كان خصومه يتحدثون خارج نطاق السيطرة، كان ينفجر ببيان صادم من شأنه أن يفجر الاحتجاجات ويعيده إلى مركز الكون الإعلامي. ضرائب صادمة، أنباء عن خروج جرينلاند من التحالف، تغريدة منتصف الليل. كل تحدي مهم.
وسرعان ما أدرك ما لم يدركه الكثيرون: أن السياسي المعاصر لا يريد الظهور على المنصة، بل يريد الحصول عليها، فبنى الحقيقة الحقيقية وحول خصومه إلى وقود مجاني بفضل الحركة الرقمية. ولهذا السبب بدا صراعه مع إيلون ماسك أعمق مما بدا: فالرجلان لم يكنا يتنافسان في السياسة فحسب، بل كانا يتنافسان على أخطر مورد في العصر الحديث، وهو المصلحة العامة.
وأسوأ ما في الأمر هو أن معارضي ترامب وقعوا في نفس الفخ مرارا وتكرارا. وأي محاولة لتصويره كشخص سياسي جعلته أكثر ظهورا، لأنهم كانوا يلعبون بقواعده، وليس بقواعدهم.
لكننا في مجتمعنا لم نكن مجرد متفرجين. كانت هناك أسعار مرتفعة لمنتجاتنا لم تستبعد مصالحنا، وكلمات أعادت تشكيل الخريطة التي لم يتم التشاور معها، وعقود تغيرت بتغريدة، والأدهى والأمر أن البعض منا ما زال يسأل نفسه: هل هو جاد أم يمزح؟ هذا هو ما يريدون.
كان بهلول يرتدي قناع الجنون للهروب من السلطة، بينما ارتداه ترامب ليصل ثم يبقى هناك.
بهلول يتحدث إلى التاريخ خلف القضبان، وترامب يتحدث إلى التاريخ خلف منصة رقمية لا ينام فيها أبدًا.
ولهذا فإن أسوأ خطأ يمكن أن يرتكبه أي عدو أو صديق أو جار هو أن يظن أنه مجرد شخص عشوائي يتحدث أمام الكاميرات. التاريخ مليء بأشخاص بداوا كالسحرة في البداية، قبل أن يدرك الجميع بعد فوات الأوان أنهم يفهمون المسرح أفضل من أي شخص آخر وقف عليه.
ترامب بسيط للغاية، مزحة حقيقية، لكنه يرتدي بدلة زرقاء، ويمتلك منصة رقمية، وشعره برتقالي يربك العالم أكثر مما ينبغي.
اقرأها مرة أخرىانقسام بين الجمهوريين.. هل تنخفض المساعدات الأميركية لإسرائيل؟
ترامب: إيران ستمر بوقت عصيب للغاية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق
“الخروج من أزمة الحرب الإيرانية.” مصطفى بكري يكشف أسباب زيارة ترامب للصين
