أخبار العالم

تدمير البيئة.. كيف يواجه الشرق الأوسط أخطر تهديد بيئي منذ عقود؟ – الأسبوع


الحروب الحديثة لا تقتصر على تدمير المدن والإصابات فحسب، بل أصبحت تشكل تهديدًا مباشرًا لمستقبل البيئة وحياة وصحة الناس، في وضع يتزايد حول العالم وتصاعد الصراعات العسكرية في الشرق الأوسط.

ورغم انشغال المدن الكبرى بمتابعة الأحداث السياسية والميدانية، إلا أن خبراء بيئيين ودوليين يحذرون من خطر آخر، أخطر وأطول أمدا، يتمثل في الآثار البيئية والإشعاعية والكيميائية الناجمة عن استهداف المواقع المهمة والحرائق الكهربائية والتلوث الصناعي المرتبط بالحرب.

وتشير التقديرات البيئية الأخيرة إلى أن أي زيادة كبيرة في المساحة قد تكون لها آثار طويلة المدى على الهواء والماء والأرض والأمن الغذائي، ليس فقط في حدود الدول المتحاربة، ولكن أيضًا في مناطق واسعة من الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط، وذلك بسبب تلوث الحدود بسبب الانفجارات والحرائق الكبيرة.

الأسلحة النووية… خطيرة جداً

وتتزايد المخاوف الدولية عندما تقترب القوات العسكرية من مواقع نووية أو صناعية حرجة، وذلك بسبب المشاكل البيئية والتهديدات التي قد تشكلها.

تعتبر أي كارثة نووية واسعة النطاق، مثل مركز الأبحاث النووية في النقب، خطيرة للغاية، حيث تختلف العواقب حسب الظروف المرغوبة وإجراءات السلامة وعدد الأسلحة الموجودة داخل المنشأة.

وتؤكد دراسات سلامة الأسلحة النووية أن عواقب التسرب النووي لا تتوقف عند حدود الدولة التي يقع فيها الموقع، لأن الرياح والرياح يمكن أن تحمل الجسيمات لمسافات طويلة، كما هو الحال في أكبر الحوادث النووية التي شهدها العالم في العقود القليلة الماضية.

كما أن دول شرق البحر الأبيض المتوسط، بسبب قرب المكان وطريقة تأثير الرياح على الطقس، يمكن أن تتأثر بمستويات مختلفة في حال وقوع حادث إشعاعي كبير، مما يسبب مخاوف على الهواء والماء والصحة العامة.

مصر وشرق المتوسط.. نتائج تحتاج إلى تخطيط مبكر

تعد مصر إحدى الدول التي تراقب بعناية التأثيرات البيئية لشرق البحر الأبيض المتوسط، ويرجع ذلك أساسًا إلى ارتباطاتها الحالية ومناخها.

تشمل الأسباب المحتملة انخفاض جودة الهواء وزيادة أعداد مسببات الأمراض، بما في ذلك احتمال تأثر بعض المناطق الساحلية والزراعة إذا استمرت الحرائق أو تلوث الهواء لفترة طويلة.

كما تعتبر سيناء والساحل الشمالي وشمال الدلتا من أكثر المناطق تأثرا بالتغير المناخي الذي ينبع من شرق البحر الأبيض المتوسط، مما يعطي ضرورة تعزيز أنظمة الإدارة البيئية والإجراءات الوقائية، لتحسين إعداد المعامل الصحية، وخطط الاستجابة السريعة المتعلقة بإدارة الإشعاع، ونوعية المياه، والغذاء.

حرائق النفط.. دخان يعبر القارات

ولا تقتصر المخاطر البيئية على الأسلحة النووية، بل تمتد إلى محطات الطاقة وآبار النفط ومصافي التكرير الكبيرة، والتي يمكن أن تكون في أوقات الصراع مصدرا رئيسيا لتلوث الهواء.

وشهد العالم مثالا مماثلا خلال حريق بئر النفط في حرب الخليج، حيث أحدث الحريق الكثير من الدخان والملوثات التي انتشرت لمسافات طويلة وأثرت على نوعية الهواء في مناطق واسعة.

إن احتراق الوقود الأحفوري ينتج مواد خطيرة جداً مثل الكربون الأسود وأكاسيد الكبريت والنيتروجين، وترتبط المواد الإيجابية بتلوث الهواء وزيادة أمراض الجهاز التنفسي والأضرار البيئية التي تصل إلى التربة والأمطار والنباتات.

إن استمرار هذه الحرائق لفترة طويلة يمكن أن يضاعف المشاكل المناخية والبيئية في منطقة صحراوية بالفعل، وحرارة شديدة، ونقص في المياه.

المعدات الحديثة وآثارها على المدى الطويل

تشكل بعض أنواع الأسلحة المستخدمة في الحروب الحديثة مصدر قلق كبير بسبب المشاكل البيئية والصحية التي يمكن أن تستمر لسنوات.

وكانت الأبحاث العلمية السابقة قد ناقشت المعادن الثقيلة، بما فيها اليورانيوم المنضب، والتي سبق أن استخدمت في بعض أنواع الأسلحة، لأنها تستطيع تحويل المتفجرات إلى جزيئات صغيرة تنتشر في الهواء والتربة.

وقد ناقشت العديد من الدراسات الطبية والبيئية الآثار المحتملة على المدى الطويل لهذه المنتجات، خاصة في المناطق التي شهدت صراعات عسكرية شديدة، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة الاعتماد على دراسات ميدانية دقيقة وأدبيات علمية مكتوبة بعيدا عن المبالغة أو التقديرات الغامضة.

المياه الجوفية.. أخطار غير مرئية

تمثل المياه الجوفية واحدة من القضايا البيئية الأكثر إلحاحا في الصراع طويل الأمد في الشرق الأوسط، وخاصة في المناطق الصحراوية التي تعتمد بشكل كبير على سبل العيش والزراعة.

إن انسكابات المواد الكيميائية أو الملوثات الصناعية على الأرض تهدد تدريجيا بعض الأحواض المائية التي تعتبر من أخطر أنواع التلوث نظرا لصعوبة احتواء الملوثات عند توغلها في أعماق الصخور.

وتكمن خطورة هذا النوع من التلوث في أن آثاره قد لا تظهر على الفور، لكنها يمكن أن تتحول لاحقا إلى مشكلة طويلة الأمد تؤثر على صحة الإنسان وزراعته وأمنه المائي.

تلوث الهواء لا يعرف حدودا

وتؤكد الطرق الحديثة لرصد الطقس والأقمار الصناعية أن تأثيرات الحرائق والانفجارات الكبيرة يمكن أن تنتقل لمسافات طويلة تتجاوز الحدود السياسية للدول.

يمكن أن تؤثر الجسيمات والدخان الناتج عن الحرب على جودة الهواء الإقليمي، خاصة عندما تستمر الحرائق وتلوث الهواء لفترة طويلة، مما يؤثر على صحة الناس وزراعتهم واقتصادهم وغذائهم.

هل يواجه العالم موجة جديدة من اللاجئين الطبيعيين؟

ومع تزايد المشاكل البيئية المرتبطة بالحرب، تتزايد المخاوف من ظهور أشكال جديدة من الهجرة البشرية في السنوات المقبلة.

تلوث المياه، وتلوث الأراضي الزراعية، وارتفاع مستويات تلوث الهواء يمكن أن يدفع بعض الناس إلى الخروج من المناطق المتضررة، خاصة إذا اجتمعت المشاكل البيئية مع المشاكل الاقتصادية والأمنية.

ولهذا السبب فإن المنظمات الدولية تأخذ بشكل متزايد مفهوم “حماية البيئة” على محمل الجد، لأنه من أخطر المشاكل المستقبلية المرتبطة بالتغير المناخي والصراعات العسكرية.

القانون الدولي والطبيعة.. اختبارات صعبة في زمن الحرب

ورغم أن القانون والاتفاق الدولي يتضمنان متطلبات واضحة لحماية المناطق المدنية والبنية التحتية الأساسية والحد من الأضرار الجسيمة التي تلحق بالبيئة أثناء النزاعات المسلحة، إلا أن المشكلة الحقيقية تظل تكمن في قدرة المجتمع الدولي على الالتزام بهذه القوانين ومنع التصعيد.

اليوم، يواجه الشرق الأوسط لحظة حرجة ليس فقط على المستوى الأمني ​​والسياسي، بل وأيضاً على مستقبل البيئة والصحة والموارد الطبيعية للملايين من البشر، في وقت حيث يتم إعادة تقييم تكلفة الحرب من خلال الآثار الصامتة التي تخلفها وراءها والتي تستمر لعقود من الزمن بعد انتهاء الحرب.

تثبت الأحداث العالمية أن العواقب الوخيمة للحرب ليست مجرد أضرار واضحة، بل هي أيضا مشاكل بيئية تستمر لسنوات عديدة وتنتقل عواقبها من جيل إلى جيل.

لا يعرف التلوث الإشعاعي والكيميائي حدودًا جغرافية، ويمكن أن يشكل الهواء الملوث والمياه الخطرة تهديدًا دائمًا للناس والبيئة والاقتصاد.

ولذلك فإن الحفاظ على البيئة في أوقات النزاع لم يعد قضية سياسية أو ثانوية، بل أصبح حاجة إنسانية وأمنية ملحة تتعلق بحق الإنسان في حياة آمنة ومستقبل مستدام.

إن تعزيز أنظمة الإدارة البيئية وحماية المناطق المهمة والالتزام بالقانون الدولي يمثل إجراءات وقائية حتى لا تتحول الحروب إلى كوارث متصاعدة تتجاوز زمن الحرب والحدود الدولية.