واستطاع الثلاثة، أحمد رجب، ومصطفى حسين، وفؤاد المهندس، أن يصنعوا “شفرة” مصرية موحدة تخطت حدود الفن والمفردات لتصبح أسلوب حياة.
ولم يكن هذا التعاون مجرد تعاون بين الخبراء، بل كان بمثابة عملية “لتقطير” للثقافة المصرية، عندما حولوا الفكاهة من شكل من أشكال الترفيه إلى أداة للمعارضة والنقد السياسي والاجتماعي الجاد.
ورغم رحيلهم الذي ترك قلة من الخيبة، فإن المأساة الحقيقية تكمن في عدم قدرة الأجيال التالية على الوفاء بهذا الإرث أو الاقتراب من كماله، وكأن «سر الخلطة» دفن معهم، لتبقى موهبتهم سقفاً كان من الصعب تجاوزه، والدليل على زمن «استقر» الضحك دون الموهبة السابقة. خلق بديل يملأ المساحة الفارغة لديهم.
في تاريخ الثقافة المصرية، هناك مزيج من السحر، وأسماء تمر كعابرين، وهناك شخصيات تتحول إلى «آثار» يرتكز عليها الوعي الشعبي. المتابعين الثلاثة أحمد رجب (الساخر)، ومصطفى حسين (فنان الكاريكاتير)، وفؤاد المهندس (الأستاذ والباكى الضاحك). ولم يكن هؤلاء مبدعين فحسب، بل كانوا “كهنة” في معبد التجديف المصري.
لقد خلقوا ثقافة التعاون الفكري التي جمعت بين الكلمة المكتوبة والصورة المرئية والأنظمة المدمجة، مما خلق نسيجًا فريدًا شكل المعرفة لجميع الأجيال.
أحمد رجب ومصطفى حسين: اثنان من «الأخبار» كانا يسيطران على الشارع. الصفحة الأخيرة من «الأخبار» لم تكن منفذاً إعلانياً، بل برلماناً لأهل الصباح. وهنا ظهر الارتباط بين قلم مصطفى حسين وقلم أحمد رجب. رجب بصوته القوي الذي يعادل «الرصاص»، والحسين بكتابته التي تضفي على الشخصية لحماً ودماً. كان لدى هذين الاثنين القدرة على خلق الرموز: أنتجا هذان الشخصان شخصيات لم تكن مجرد رسوم متحركة، بل “نماذج بشرية” نلتقي بها كل يوم، “فلاح كفر الهندوة” وذكائه الفطري، و”كمبورا” الحظ، و”عزيز بك العليط”، و”عبده مشتاق”. وكان التأثير العاطفي: من خلال هذه الشخصيات استطاع المواطن أن يرى عيوب الناس. وإساءة استخدام السلطة بطريقة مضحكة. لقد علموا الناس أن “الإهانة” هي أقوى أسلحة المظلومين، وأن الضحك ليس هزيمة، بل هو شكل من أشكال النضال الذي أصبح في متناول اليد.
فؤاد المهندس: عندما تتحول الكلمة إلى لحم ودم، إذا كان رجب والحسين رسما على الورق رموز الضمير، فإن فؤاد المهندس هو من أعطاها صوتاً وحركة. وكانت العلاقة بين رجب والمهندسين علاقة “رؤية وشكل”.
وكتب رجب للمهندس أجمل مشاهد الفيلم (مثل شينبو في الفخ)، وكان المهندس يفهم جيدًا روح الدعابة التي يتمتع بها رجب، وفلسفة “الوادي المستحيل”. ويتميز الفنان بقدرته على إظهار روح الدعابة عالية الجودة التي تخاطب العواطف. هذا التعاون جعل من عملهم مدرسة للنقد العام المغلف بالبهجة. الحقيقة هي أن إبداعهم لم يقتصر على الأشخاص في عمر معين. لقد كان ضمير طفولة العم فؤاد: من خلال أمثال “العم فؤاد” تشكل ضمير الأطفال على مبادئ الإنسان والمعرفة، مما جعل الأجيال تكبر مع “رمز” هؤلاء الثلاثة في طريقة تفكيرهم.
هل نحن في ورطة؟ نعم نحن في مشكلة تراث؟ ولماذا انتهى الإبداع برحيلهم؟ بعد رحيل المثلث الذهبي، واجهت الثقافة والفكاهة حقيقة مفاجئة، وهي أن فن المعرفة دخل مرحلة «السبات الشتوي» بفترة غير معروفة. لقد أثبتت الحقائق الآن عجز الأجيال القادمة. لم يتمكن صحافيان من إعادة جمال (رجب وحسين)، ولم يتمكن أي فنان رياضي من ارتداء عباءة «الأستاذ» فؤاد المهندس.
وكانت الأجيال التالية مشغولة بالأرباح السريعة و”الاتجاهات” الصغيرة، بينما كان رجب يتخذ قراراً بالعيش إلى الأبد. كان الفريق مشتتا. وبدا وكأن مدرسة «النقد الشديد» قد أغلقت أبوابها. وتحولت القصص المصورة إلى «حلقات» جسدية غير مرضية، وغابت الرسوم الكاريكاتورية السياسية التي تهز العروش وتلامس الريش، مما جعلنا نشعر «بالمخلوق» حقًا.
إننا نفتقد الأيام الخوالي: فنحن لا نفتقد شعبها فحسب، بل نفتقد “المعيار” الذي وضعوه.
لقد رفعوا سقف المعرفة إلى مستوى جعل كل من جاء بعدهم يبدو وكأنه “صغار” يحاول الصعود إلى القمة. وكان لهم تأثير على هوية العالم. هؤلاء الثلاثة لم يعطوا المهارة من أجل المهارة، بل أعطوا المهارة من أجل “البقاء”.
وفي أوقات الأزمات والهزائم، وجد المواطن مخرجاً في “الكلمة التالية” و”الكاريكاتير” لمصطفى حسين، وكذلك في أفلام المهندس “الأمل”. واستطاعوا تنسيق لغة ساخرة: وأصبحت كلماتهم جزءًا من قاموس اللغات المصرية. لقد رفعوا الوعي السياسي: تمكنوا من تحويل القضايا الصعبة إلى “نكتة” واضحة، مما خلق “رأي الناس” بشكل طبيعي، وفي الوقت نفسه حافظوا على السيطرة الأخلاقية: رغم السخرية المريرة، لم ينغمس هؤلاء الثلاثة في الغباء، إذ كانوا حراس الفضيلة بطريقة مضحكة.
الشراكة بين أحمد رجب ومصطفى حسين وفؤاد المهندس قصة فريدة لن تتكرر.
لقد خلق “المثلث الذهبي” على أساس المصريين، وأجزائه الكلام والصورة والعمل. لقد رحلوا جسدياً، لكن «ضميرنا» ما زال يشتاق إلى زمنهم، ليس بسبب الرغبة وحدها، بل لأننا نعيش «جفافاً خلاقاً» أثبت لنا أنهم مختلفون في تاريخ الأمة.
علمنا أن الضحك هو “الفكر الأسمى”، وعندما رحلنا فقدنا المعلم واللوحة والضحكة الجميلة، وواصلنا تذكر ذكرياتنا، مدركين أن الإبداع الحقيقي أغلق دفاتره المحاسبية ورحل إلى آخر أجزاء هذا المثلث.
اقرأها مرة أخرىوزارة الخارجية تهنئ شعب مصر بمناسبة عيد الفطر المبارك
وهنأ الرئيس السيسي الشعب المصري بمناسبة عيد الفطر السعيد
وهنأ شيخ الأزهر الرئيس السيسي والأمة الإسلامية والعربية بمناسبة عيد الفطر المبارك
