في المشاهد المزدحمة وتغطية مسرح الجريمة الصهيونية الأميركية، والروتين الذي يخرج من طهران وبيروت وتل أبيب، ورائحة الدم والموت، وأصوات القصص المتكررة، يبرز أمام أعيننا نوع من الدراما.. المسحوق الذي سيأتي يوما ما ويملأ أنوف الجهلاء.
مسلسل “أصدقاء الأرض” ليس عملا فنيا سيعرض ضمن مسابقة رمضان 2026، لكنه صرخة ألم غير مسموعة، إنها وثيقة مرئية تأتي من تحت تلعثم غزة المصابة، بطريقة غريبة تلامس جدران القلوب. يصل بنا هذا العمل إلى مكان يقف فيه الإنسان أعزلاً إلا عن إيمانه وإرادته، في مواجهة آلة مدمرة بلا أخلاق حميدة وقسوة، ليثبت للعالم أن الأرض التي تسقى بالدماء لا يمكن انتزاعها من أصحابها بالقوة. والشياطين، إنها قصة وطن يُقتل بوحشية ووحشية من عرق إلى آخر، إنها قصة شعب يرفض أن تمحيه الطائرات الأمريكية والجرائم الصهيونية من على الخارطة.
تكمن الأهمية الكبيرة لسلسلة “أصحاب الأرض”، إحدى أفضل اللوحات التي أنتجتها الشركة المتحدة عام 2026، في كونها دقيقة ومؤلمة للحقيقة الإنسانية في قطاع غزة بعد أحداث 7 أكتوبر، لأنه لا يزال عملا عظيما يتناقض مع الكلمات والصور.
العمل الذي يجمع الممثل إياد نصار في دور الرجل الذي يحارب الموت لينقذ ابن أخيه من ضربات القنابل، والنجمة منة شلبي التي تمثل نبض الضمير المصري، ممثلة في طبيب يتخلى عن أمنه لينضم إلى فرق الإنقاذ، يغير أيضا الوعي العربي.
وقد ظهر عمق هذه الرسالة وأهميتها وتأثيرها في الهجمة الشرسة التي شنها المتحدثون الصهيونيون ومتحدثو مجموعته الإرهابية في القائمة، مما يثبت أن الدراما عندما تقول الحقيقة تكون أقوى من الرصاص في وجه الأكاذيب التاريخية ومحاولات طمس هوية الوطن، حتى لو كان أمامه فلا عدو يحل محل الدم.
عندما تنظر إلى تفاصيل أحداث الحرب العالمية الثانية، تشعر وكأنك واقف هناك، في سهول رفح، وشوارع غزة المدمرة، تستنشق الغبار، وتشم رائحة الموت، وتسمع نبض شعب خائف. إياد نصار لا يفعل شيئًا، بل يتوقف عن ارتداء ملابس كل والده وأخيه وعمه الفلسطينيين الذين يقفون في رهبة أمام بقايا عائلته.
إن رحلته الشاقة للبحث عن دواء يحفظ رائحة أخيه الشهيد هي انعكاس للحياة الملتصقة بالحياة في مدينة يريد المجرمون أن يكونوا مدينة الموت.
كل شبر من وجهه، وكل تعبير عن الهزيمة الممزوج بالفخر، يحكي قصة الصمود الرائع لشعب حول القمامة إلى حواجز للمقاومة والكرامة والفخر.
في المقابل، تأتي منة شلبي لتمثل قلب النبض العربي، الطبيبة المصرية، ابنة النيل والعالم الطيب، التي ترفض تحمل مسؤولية الشعب الذي يشاهد الموت عبر الأقمار الصناعية ويتمتم بالدعاء العاجز، ويرمي بنفسه في الفرن. إن كفاحه الداخلي وإصراره على إنقاذ ضحاياه يقدمان مثالًا لنظرية الانتماء التي لا تعترف بأي حدود مصطنعة. إنهم لا يحملون سلاحاً، ولكنهم يحملون مشرطاً وضمادة وإيماناً وحباً لا حدود له ليثبتوا أن جراح غزة هي جراح القاهرة، ودماء العرب واحدة لا تتجزأ. ومن بين أنقاض الدمار ومآسي الإبادة تخرج لحظات أمل ممزوجة بالألم، وقصص أناس يرفضون الموت تحت تلعثم لا ينسى.
أعتقد أن أصدق وسام شرف حصل عليه هذا العمل هو الهجوم الشرير الشرير من قبل الصحافة الشريرة وأبواقها الدموية. يرتجفون من الفن الذي يفضح كذبهم ويكشف قصصهم الهشة الممزوجة بالأكاذيب أمام العالم. ويتضاعف الرعب عندما يكون توقيع العمل مصريا. وقد أثبت المخرج بيتر ميمي وعماد صبري ومحمد هشام أبو عبية وصناع الفيلم أن الكاميرا قادرة على تسجيل ما تحاول الدبابات إزالته، والإنتاج ممتاز. الاستعانة بنجوم من فلسطين والأردن مثل الفنان كامل الباشا وتارا عبود، مما أضاف المزيد من المصداقية والأحداث الحقيقية للحوار والنطق، ليصبح المسلسل شوكة في خاصرة كل من يحاول تبرير القتل الممنهج وتزييف وعي الأجيال القادمة.
وفي النهاية سيتم الانتهاء من الجزء الأول من المشروع، وندعو “يونايتد” لتتبع الأجزاء الأخرى، لكن الكارثة على الأرض لا تتوقف.
قائمة “شركات الأرض” ليست مجرد قصة نتناولها للاستمتاع بليلة رمضان. وبدلا من ذلك، فهو عهد وقسم، ووثيقة حية للتاريخ، وتذكير لنا جميعا بأن هناك أشخاصا يشيدون بالأمة بأكملها. نجحت الدراما المصرية في إعادة بوصلة الضمير إلى مكانها الصحيح، صارخة في وجه الصمت العالمي. ستبقى فلسطين، وستعيش غزة، وسيبقى أصحاب الأرض متجذرين في ترابهم كأشجار الزيتون العتيقة، لا تقتلعهم الريح. الجريمة والألفاظ النابية وحتى القنابل المزيفة.
