الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست مجرد دولة. فهو يمثل فكرة أن السياسة لا يمكن تركها للسياسيين وحدهم، وأن الدين ليس مسألة شخصية منفصلة عن القيادة، ولكنه يخلق نظاماً تتأسس فيه السلطة الفعلية.
وفي هذا السياق، لا ينظر إلى “ولاية الفقيه” على أنها وثيقة قانونية، بل على أنها القلب النابض وحياة الدولة.
وتقوم عقيدة الشيعة الاثني عشرية على اعتقاد عدة أئمة، وهم الأئمة الاثني عشر، وهم ليسوا ملوكاً أو علماء عاديين، بل خلفاء النبي الروحيين في نظر أتباعه.
تبدأ القصص بالإمام علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، وفيما يلي الأسماء:
علي زين العابدين، محمد الباقر، جعفر الصادق، موسى الكاظم، علي الرضا، محمد الجواد، علي الهادي، الحسن العسكري… حتى يصل الخط إلى الإمام الثاني عشر: محمد بن الحسن المهدي المنتظر.
وهنا نقطة أساسية في النظام السياسي الشيعي: الإمام الثاني عشر غير موجود. فهو لم يمت على عقيدة الشيعة، لكنه حي عندما لا يكون، وسيأتي مرة أخرى في آخر الزمان ليملأ الدنيا عدلاً وصلاحاً.
ولكن ماذا سيحدث حتى يعود؟ من يحكم؟ ومن يحسم الخلاف؟ من يقود الأمة؟
لعدة قرون، كان جواب العديد من علماء الشيعة واضحا: القضاة يصدرون الفتوى ويوجهون ويحكمون، لكنه لا يسيطر بشكل كامل على السياسة. ودوره ديني وأخلاقي وإرشادي.
لقد تُركت السلطة السياسية للتسوية، حتى لو لم تكن جيدة.
لكن في عام 1979، جاء آية الله الخميني ليقول: لا، لن يكون القاضي واعظاً على الجانب.
وإذا لم يكن الإمام حاضراً، فإن القاضي الأعلم والأعدل مستعد لمصادرة شؤون الدولة بدلاً منه.
وهكذا تحولت “الولاية” من دور محدود في شؤون القاصرين والتبرعات وغيرها من القرارات، إلى سلطة عامة على البلاد والحكومة.
هذا هو المكان الذي ولد فيه دور “الزعيم الرئيسي”.
فهو ليس رئيساً منتخباً تنتهي ولايته بعد أربع سنوات، ولا هو شيخ يجلس على منبر الفتوى بعيداً عن السلطة.
وهو رئيس الحكومة الحاكمة، وقائد الجيش، وحاكم المبادئ، والقاضي بين موظفي الحكومة، والمشرف على الأجزاء الصعبة من الحكومة.
هل هو زعيم سياسي أم ديني؟
الجواب: كلاهما.
المرشد الأعلى لإيران ليس منصبا قياديا. إنها مسؤولية ثقافة دينية عميقة، لأن شرعيتها ترتكز على كونها “قاضيا مشرفا” – أي قاضيا تتوفر فيه شروط: المعرفة، والعدالة، ومهارات الإدارة.
وفي الوقت نفسه، فهو دور السياسي الناجح، لأن صاحبه هو الذي يحدد ما يجري في السياسة الداخلية والخارجية، وعليه مسؤولية كبيرة عن أهم الأحداث.
لذا فإن جمهورية إيران الإسلامية تشكل مثالاً خاصاً: فهي دولة حديثة تتمتع بمؤسسات منتخبة – الرئيس والبرلمان والمجالس – ولكنها فوق كل شيء تقف زعيماً دينياً يُنظر إليه على أنه ممثل للإمام الغائب. فهو ليس ملكاً وراثياً، أو رئيساً سياسياً، بل هو سلطة عليا لها شرعيتان: شرعية التغيير وشرعية القوانين.
وهنا نصل إلى جوهر الموضوع: هل المتحكم بريء؟
الجواب الشرعي الواضح: لا، العصمة عند الشيعة للأئمة الاثني عشر فقط. لكن من الناحية العملية، تحيط بالمكان شهرة كبيرة وقدسية رمزية.
انتقاد رئيس الوزراء ليس مستبعدا، فالمسألة ليست الخلاف مع قراراته، بل تبدو أحيانا وكأنها تشكك في شرعية المنصب نفسه.
هناك ملايين الشيعة في العراق ولبنان والبحرين وباكستان والهند وأفغانستان وغيرها، والعديد منهم يتبعون مرجعيات دينية لا تتبنى مذهب الرقابة القضائية. ويرى بعضهم أن السلطة الدينية يجب أن تكون في إطار الفتوى والإرشاد، وليس السلطة السياسية المباشرة.
ومع ذلك، قدمت جمهورية إيران الإسلامية نفسها على أنها “مدافع عن المظلومين” وداعم سياسي للقضية الشيعية، مما يمنح المرشد الأعلى أخلاقًا حميدة خارج حدود إيران، حتى بين أولئك الذين لا يقبلون نظريته القانونية بشكل كامل.
ولذلك لا يمكن فهم الإمامة الشرعية دون فهم مركزية الأئمة الاثني عشر في المعرفة الشيعية.
هؤلاء الأئمة ليسوا مجرد شخصيات تاريخية، بل هم امتداد للنبوة في أذهان أتباعهم، وحاملي العلم الإلهي، ونماذج العدالة للمظلومين عبر التاريخ.
ويوصف القائد العظيم في هذا السياق بأنه “ظل الفكر” في غياب البداية.
وهو الارتباط الحي بين زمن سحر الإمام المهدي وزمن ظهوره.
وهنا تكمن قوة النظرية… وهنا يكمن الجدل الدائر حولها.
ولاية الفقيه هي العمود الفقري للحكومة الإيرانية.
فالمرشد الأعلى ليس الرئيس فوق الرؤساء، بل هو ملتقى الدين والسياسة مباشرة.
فمن يؤمن بهذا المبدأ يرى فيه ضمانة لمنع تدخل الشريعة في السياسة، ومن يعارضه يرى فيه مزيجا خطيرا بين المقدس والعام.
عندما نتحدث عن العلاقة بين المرشد الأعلى والحرس الثوري، علينا أن نعرف تاريخ تأسيس الحرس الثوري والأدوار التي تم تكليفه بها.
الحرس الثوري ليس مجرد جيش، بل منظمة ولدت من رحم الثورة، وبمرور الوقت أصبح الركيزة الأساسية للحكومة الإيرانية في المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية.
تأسس الحرس الثوري في مايو 1979، بعد أشهر قليلة من انتصار الثورة بقيادة آية الله الخميني.
لم تكن الفكرة إنشاء جيش موحد، بل جيش رشيد يضم عناصر تقبلت بقوة أيديولوجية الثورة الإيرانية، خاصة بسبب قلق الخميني من ولاء الجيش النظامي الذي ورثه من زمن الشاه، وخوفه من المعارضة أو الغزو الأجنبي لإنهاء الثورة.
منذ البداية، كان الهدف من إنشاء الحرس الثوري واضحا: حماية الثورة والمرشد الأعلى من كل الأعداء.
ويقدر عدد عناصر الحرس الثوري بحوالي 190 ألفاً إلى 250 ألفاً، وينقسمون إلى عدة فروع رئيسية:
القوات البرية
البحرية
القوة الجوية الفضائية (الصواريخ والطائرات بدون طيار)
قوة القدس (الخدمات الخارجية)
ويمكن لقوات الحشد الشعبي (الباسيج)، التي تضم مئات الآلاف من المتطوعين، أن تصل إلى عشرات الآلاف أثناء التعبئة.
الحرس الثوري هو رئيس برنامج الأسلحة الإيراني، ويشرف على مجموعة متنوعة من الأسلحة التي تشمل:
رميات قصيرة ومتوسطة
صواريخ كروز
طائرات بدون طيار للهجوم والاستطلاع
زوارق سريعة مسلحة في الخليج
نظام الدفاع الجوي
وحدات الحرب الإلكترونية
كما أنها مسؤولة عن جزء كبير من تطوير الصناعة العسكرية المحلية، بحسب العقوبات على مر السنين.
أعضاء الحرس الثوري يقسمون الولاء للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، وليس للحكومة أو الرئيس.
وهنا نقطة مهمة: الحرس الثوري ليس منظمة حكومية، بل منظمة حكومية، وولاؤه المباشر هو للمرشد الأعلى.
وفي الأيام الأولى للثورة، كانت ألوندا أداة لتأسيس نظام جديد في مواجهة فلول النظام السابق والجماعات اليسارية ومحاولات التمرد الإقليمي. ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) لتمنحه شرعية الدم والتضحية، إذ لعب دورا حاسما على الحدود، ودخلت معرفته وأفكاره العسكرية في تلك الحرب.
يقوم الحرس الثوري بعدة أدوار في حماية الحكومة الإيرانية:
الأمن الداخلي: الحفاظ على الاستقرار الداخلي ودعم الأجهزة الأمنية في أوقات الأزمات.
القوى الأجنبية: إدارة النفوذ الإقليمي من خلال فيلق القدس.
اقتصادياً: لديهم شبكات اقتصادية وشركات كبيرة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات.
السياسة غير المباشرة: يشغل عدد من القادة السابقين مناصب عليا في الحكومة.
والحرس الثوري هو المنشئ والداعم لسلاح النظام الإيراني في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق واليمن.
باختصار: هو منظمة سياسية واقتصادية وعسكرية متكاملة، وليس جيشا.
ولذلك حصلت عملية اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وأصبح الحرس الثوري مستقلاً في قراراته، وكان عليه القيام بواجباته التي أقسمها أمام المرشد الأعلى، وهكذا بدأ:
تفجير كل قاعدة أمريكية في العالم العربي.
قصف إسرائيل.
تهديدات حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز والخليج العربي.
– انقطاع تام للأمن داخل البلاد.
إطلاق نظام نقل السلطة من خلال مجلس الخبراء لاختيار دليل جديد.
بالنسبة لحرس المعارضة، يعتبر اغتيال المرشد الأعلى خيانة، وليس حدثا سياسيا، والانتقام له هدف يجب تحقيقه، بغض النظر عن التضحيات. وهذا ما يفسر ما يجري منذ اغتيال خامنئي.
أراد ترامب ونتنياهو قتل خامنئي لتحقيق نصر سريع ونشر الفوضى في إيران، لكن هذا الاغتيال أطلق العنان للحرس الثوري للانتقام من قتلة خامنئي. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع أي مسؤول آخر في إيران أن يأمر قادة الحرس الثوري بوقف القتال سوى المرشد الأعلى الجديد.
ولذلك فإن الصراع لن ينتهي بسرعة، بل سينتهي، وسيقاتل الحرس الثوري حتى النهاية للانتقام من خامنئي والحفاظ على السلطة والأيديولوجية التي تم تأسيسها.
اقرأها مرة أخرىفعندما تحترق الجغرافيا، ترتعش الأسواق
كم عدد الخضر هناك؟ .. سعر الدولار مقابل الجنيه المصري اليوم الثلاثاء 3 مارس 2026
خبير سابق في وكالة الطاقة الذرية: إيران لديها القدرة على تطوير قنبلة نووية، لكنها لم تفعل ذلك بعد
