أعلم أن تقسيم شهر رمضان المبارك إلى ثلاثة أجزاء: (الرحمة، والمغفرة، والعتق من النار) قد ورد في الأحاديث التي ضعفها بعض العلماء، لكن معانيها صحيحة وثابتة في ضمائر الناس. رمضان كله رحمة ومغفرة، وإن شاء الله نعتق من النار التي فيه.
وأشهر الحديث الذي بني عليه تقسيم الشهر هو جزء من خطبة طويلة ألقاها للنبي صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فيه بخصوص شهر رمضان: “..
(رواه ابن خزيمة في صحيحه، ومع كلام أهل الحديث على حركاته، إلا أن معناه واسع ومعروف في كتب الخطب).
وها نحن نتحرك سريعاً في الجزء الثاني من الشهر الكريم المبارك، وقد أكملنا ثلث الشهر، لندخل إلى المكان الروحاني المهم، وهي الأيام التي ينزل فيها الهدوء على قلوب ذاقت حلاوة البداية، وبدأت تسأل الله القبول ما ذهب ونجاح ما بقي. وليس أجمل من أن يبدأ المؤمن أيامه في هذه الفترة الثالثة بالنظر في أعظم الدعوات الإلهية التي تفتح أبواب الأمل، كما يقول الله تبارك وتعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. حقا، الله يغفر. كل الذنوب. إنه هو الغفور الرحيم. إنها دعوة واضحة لمقاومة الإحباط، وتذكير بأن رمضان هو موسم “المزيد من التثبيت” مع الخالق – إذا جاز التعبير – والبدء بصفحة بيضاء.
وإذا كانت العشر الأولى هي “الرحمات” العشر التي تعرف فيها النفوس كيف تذكر الله، فإن الوسطى فرصة لتكرار المزيد. فالمؤمن اليوم لا يكتفي بالصوم، بل يمتنع بقلبه عن المعصية ولسانه عن المعصية، راجيًا أن يدخل في كرم الله غير المحدود.
ويكفينا أن نفهم حجم هذه المغفرة التي وردت في الحديث القدسي الشريف المليء بالرحمة، عندما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “”قال الله تبارك وتعالى: “يا ابن آدم إنك ما دعوتني وانتظرتني غفرت لك على ما كان منك”” كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، وطلبت ذنوبي”” الاستغفار لغفرت لك ولم أندم.
إن حاجتنا إلى الاستغفار اليوم تأتي كوقود جديد للحياة، خاصة عندما يبدأ الفتور الطبيعي يدخل حياتنا بعد فرحة الأول، لتكون هذه الأيام العشرة فرصة لإزالة الأخطاء التي استخدمت في الحياة، وجسراً يمكننا أن نعبره إلى “عاشر العتق من النار” بقلوب صافية. ولذلك فإن الاستثمار اليوم يتطلب أن نجتهد في الاستغفار، وطمأنينة الناس، على أمل أن يغفر الله لنا أخطائنا، ويغتنم لحظات السحر الثمينة.
ما أجمل أن ندعو الله في هذا الشهر العظيم بهذا الدعاء الكامل:
“اللهم إنك عفو رحيم تحب العفو فاعف عنا. “اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أخفينا وما أوضحنا وما أنت أعلم به منا. “اللهم إنا نسألك في هذه الأيام المباركة مغفرة تمحو ذنوبنا، وتشرح صدورنا وذنوبنا، الحي القيوم، ارزقنا في هذا الشهر نصيب الرحمة والمغفرة والعتق من لهيب النار، واكتبنا من المقبولين بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين.”
