تشهد منطقة الشرق الأوسط، واحدة من أخطر موجات الاستنفار العسكري منذ غزو العراق، قبل 23 عاما من الآن، في ظل تسارع الحشود العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط مقابل تحركات إيرانية مكثفة تعكس استعدادًا واضحًا لسيناريو مواجهة عسكرية محتملة، بالتوازي مع تعثر المسار التفاوضي بين الطرفين.
تأتي هذه التطورات في وقت تتواصل فيه المفاوضات غير المباشرة حول ما تصفه واشنطن بـ«الخطوط الحمراء»، الرامية إلى منع اندلاع الحرب. تتضمن الحد من البرنامج النووي الإيراني، وتقييد القدرات الصاروخية، ووقف دعم الأذرع الإقليمية، وهى شروط أبدت طهران رفضها الصريح لها، معتبرة أنها تمس جوهر سيادتها الاستراتيجية.
في المقابل، تتعامل الدوائر العسكرية والسياسية في البلدين مع المشهد باعتباره مرحلة تحضير لاحتمال صدام واسع، وليس مجرد أزمة دبلوماسية عابرة. وخلال جولة محادثات غير مباشرة عقدت فى جنيف واستمرت نحو ثلاث ساعات ونصف، فشل المفاوضون الإيرانيون والأمريكيون في التوصل إلى صيغة اتفاق واضحة.
يأتي هذا رغم الحديث عن التوافق على بعض «المبادئ التوجيهية»، فيما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجى أن الحوار لم يغلق. في المقابل، شدد نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، على أن طهران لم تُظهر التزامًا فعليًا بالخطوط الحمراء التي وضعتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، ما يعكس فجوة عميقة في الرؤى بين الجانبين.
وتواصل الولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط بوتيرة لافتة، وسط تقارير تفيد بأن القيادة العسكرية الأمريكية رفعت جاهزيتها العملياتية إلى مستويات متقدمة، مع إمكانية تنفيذ ضربة عسكرية خلال فترة قصيرة في حال صدور القرار السياسي. وتشير المعطيات إلى رفع القدرات الجوية والبحرية الأمريكية، مؤخرا، بما يعزز من خيارات التدخل السريع والضربات بعيدة المدى.
على مدى أسابيع متتالية، نشر الجيش الأمريكي عشرات الطائرات المقاتلة في أنحاء الشرق الأوسط، وتنتظر حاملة طائرات ثانية الاقتراب من السواحل الإيرانية إذا أصدر الرئيس ترامب الأمر بشن هجوم على إيران. وأكدت تقارير أن عشرات الطائرات المقاتلة وطائرات التزود بالوقود انتقلت من الولايات المتحدة وأوروبا إلى قواعد في الأردن والسعودية.
وكانت كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، عن أن حاملة الطائرات الأحدث «يو إس إس جيرالد فورد»، وثلاث مدمرات مرافقة لها ستتمركز قرب الساحل الإسرائيلي في البداية، للدفاع عن تل أبيب والمدن الإسرائيلية من أي رد إيراني محتمل، وسط توقعات بوصول الحاملة إلى شرق المتوسط بعد أيام قليلة، لتنضم إلى حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، الموجودة أساسًا في بحر العرب.
حاملات الطائرات هي قوة عسكرية كبيرة تتكون من أكثر من 50 طائرة عسكرية إضافية من طراز (F-35، F-22، F-16)، 25 طائرة تزود بالوقود، و15 مدمرة موزعة استراتيجيًا في البحرين ومضيق هرمز والبحر الأحمر، فيما تشير معلومات إلى أن أي عملية عسكرية لن تكون مجرد ضربات محدودة كما حدث في عملية «مطرقة منتصف الليل»، يونيو الماضي، بل حملة جوية وبحرية مستدامة قد تستمر لأسابيع.
وصرح مسؤول أمريكي سابق في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، أن «هذه قوة كافية لحملة مستدامة وواسعة جدًا»، مع خيارات تتراوح بين ضربات محدودة على منشآت عسكرية وضربات «قطع رأس» تطال النظام الإيراني نفسه. في المقابل، أظهرت إيران مؤشرات واضحة على الاستعداد لحرب محتملة، حيث عملت على تحصين مواقعها النووية وإعادة بناء منشآت إنتاج الصواريخ.
يتم هذا بالتزامن مع تسريع عمليات إعادة تأهيل قواعد عسكرية تضررت خلال المواجهات السابقة. ورغم استمرار المحادثات، فقد كثّفت طهران إجراءاتها الدفاعية، بما يشمل دفن منشآت استراتيجية باستخدام طبقات كثيفة من الخرسانة والتربة، في محاولة لرفع قدرتها على الصمود أمام أي هجمات جوية مكثفة.
وكشفت تقارير استخبارية عن عمليات إعادة إعمار واسعة داخل عدد من القواعد الصاروخية الحيوية، أبرزها قاعدة «الإمام على» فى خرم آباد، التى تُعد من أهم منصات إطلاق الصواريخ الباليستية، حيث أُعيد بناء عدد من المنشآت المتضررة، فيما تتواصل أعمال الحفر والإنشاء في مواقع أخرى. كما شهدت قاعدة تبريز الجوية شمال غرب البلاد عمليات ترميم شاملة لمدارج الطائرات ومرافق الدعم، إلى جانب إعادة تأهيل مداخل وأنفاق قواعد صاروخية قريبة بعد تعرضها لقصف سابق.
وفي سياق متصل، سارعت طهران إلى إعادة تشغيل وتطوير منشأة «شاهرود»، لإنتاج الصواريخ العاملة بالوقود الصلب، وهي تقنية تمنح القوات الإيرانية القدرة على نشر صواريخ بعيدة المدى بسرعة أعلى، ما يعكس توجهًا نحو تعزيز الردع الاستراتيجى فى مواجهة أى ضربة محتملة، كما اتخذت طهران إجراءات إصلاحية على مستوى القيادة بعدما سلطت الحرب السابقة الضوء على نقاط الضعف فى هيكل القيادة الإيرانية، خاصة في ما يتعلق بسلاسل الاتصال ومراكز اتخاذ القرار.
أشارت تقارير إلى أن التواصل مع المرشد الأعلى، علي خامنئي، كان أكثر تعقيدًا خلال فترات الحرب السابقة، ما دفع طهران إلى إعادة هيكلة منظومة القيادة عبر تعزيز دور المجلس الأعلى للأمن القومى برئاسة، علي لاريجاني، وتشكيل هيئة جديدة تُعرف بـ«مجلس الدفاع»، لإدارة شؤون البلاد في أوقات الحرب.
وجرى تعيين، على شمخانى، القائد السابق في الحرس الثوري، أمينًا لمجلس الدفاع، في خطوة يراها مراقبون مؤشرًا على رفع مستوى الاستعدادات الدفاعية الشاملة ووضع آليات للتعامل مع التهديدات الطارئة، خاصة فى ظل سيناريوهات تستهدف مراكز القيادة العليا.
ميدانيًا، أطلقت إيران مناورات بحرية فى الخليج العربي تزامنًا مع جولات التفاوض، في رسالة ردع واضحة لحلفاء واشنطن فى المنطقة، وشهدت المناورات إغلاق أجزاء من مضيق هرمز لساعات محدودة، وهو الممر الذي يمر عبره نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من اضطرابات حادة فى سوق الطاقة إذا تصاعدت المواجهة.
نفذت البحرية الإيرانية تدريبات مشتركة مع روسيا في خليج عُمان وشمال المحيط الهندى، تضمنت سيناريوهات استعادة سفن مختطفة، في إشارة إلى تنامي التنسيق العسكري بين الجانبين. وتزامنت هذه التحركات مع تقارير عن دعم تقنى وعسكرى متزايد من بكين وموسكو، شمل نقل معدات دفاعية متقدمة وتطوير أنظمة الملاحة والخرائط العسكرية، فضلًا عن تعزيز قدرات الرصد والإنذار المبكر داخل البنية الدفاعية الإيرانية.
كشفت تقارير عن تحالف عسكرى صينى روسى مع إيران استعدادا للحرب المرتقبة، وأشارت إلى أن بكين قامت ببناء جدار دفاعى غير مسبوق داخل إيران، وأنه منذ عدة أشهر تقوم عشرات من طائرات الشحن الصينية من نوع «واى -20» بنقل معدات إلى طهران، أشارت بعض التقديرات إلى أن هذه الطائرات تنقل رادارات عسكرية متقدمة تسمى بـ«صائد الشبحيات» وهو رادار قادر على كشف وجود الطائرات الشبحبة الأمريكية مثل «إف-35» من على بعد 350 كيلومتر.
كما زودت بكين طهران تقنية الخرائط والملاحة الفضائية الصينية وقامت بدمجه داخل البنية العسكرية والمدنية الإيرانية، وأوقفت استعمال خدمات جوجل مابس. ويؤكد خبراء أن الصواريخ الإيرانية أصبحت تعتمد الآن على نظام صينى متطور يتميز بدقة فائقة. أما الحليف الروسى، فقد أرسل فرقاطة عسكرية كاملة تدعى «ستويكى»، تابعة لأسطول البلطيق الروسى، لميناء بندر عباس الإيرانى لمشاركة طهران فى إجراء مناورات عسكرية.
وتواترت تقارير عن إرسال روسيا لإيران ما يعرف بـ«طائرة يوم القيامة II-80». ووفقا لخبراء عسكريين تعتبر هذه الطائرة «مركز أعصاب» متنقل، وهى محصنة ضد النبض الكهرومغناطيسى والانفجارات النووية. وأن وصولها يعني ربط منظومات الدفاع الجوي الإيراني (S-300 وS-400) بشبكة الاستخبارات الروسية، مما يسحب البساط من تحت أقدام المقاتلات الشبحية الأمريكية (F-22 وF-35) التي تعتمد على المباغتة لضرب أهدافها.
تمنح هذه الطائرة القيادة الإيرانية القدرة على رصد تحركات حاملات الطائرات الأمريكية وإطلاق الصواريخ من البحر في «الوقت الفعلي». والأخطر من ذلك، أنها توفر «قيادة بديلة» من الجو، ففي حال استهداف مراكز القيادة الأرضية في طهران، يمكن للمستشارين الروس والإيرانيين إدارة المعركة بالكامل من سماء محصنة ومتحركة.
ويرى مراقبون أن إرسال موسكو لهذه الطائرة بأطقمها الفنية يعتبر رسالة ردع واضحة لواشنطن، فأي ضربة أمريكية قد تطال هذه الطائرة أو الخبراء الروس المشغلين لها تعني «إعلان حرب» مباشرة بين القطبين النوويين. ويرى مراقبون أن دخول طائرة «يوم القيامة» على خط الأزمة يحول الساحة الإيرانية إلى ساحة صراع قطبى بامتياز، ويفقد الولايات المتحدة ميزة التفوق التكنولوجي المطلق.
اقرأ أيضاتقرير يكشف خطة ترامب لاستهداف إيران: ضربة محدودة ثم هجوم أوسع
إيران: التقارير الإعلامية بشأن اتفاق مؤقت مع الولايات المتحدة لا أساس لها
تقارير أمريكية: الولايات المتحدة حشدت 16 سفينة حربية و40 ألف عسكري في الشرق الأوسط


