– «هاكابي» يدعو إلى حق «إسرائيل» في السيطرة من «النيل إلى الفرات»
– إدانات عربية وإسلامية.. وواشنطن تلتزم الصمت
– إسرائيل تستعد لإعلان ضم الضفة الغربية وتهجير الفلسطينيين
أثارت التصريحات التي أدلى بها السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيوني «مايك هاكابي»، حالة من الجدل الشديد والإدانات الصارخة على المستويين الشعبي والرسمي في البلدان العربية والإسلامية، ليس فقط كون هذه التصريحات تستند إلى تفسيرات دينية مزعومة، وإنما أيضًا لأنها تناقض أساسيات السياسة الأمريكية المعلنة، خاصة مبادرة الرئيس الأمريكي ترامب، والتي أعلن الالتزام بها في قمة شرم الشيخ المنعقدة في نهاية العام الماضي.
التصريحات التي أدلى بها السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيوني في حواره مع الإعلامي الأمريكي «توكر كارلسون» تضمنت عددًا من المغالطات التاريخية والدينية على السواء، ومثلت اعتداء على قواعد القانون الدولي وتجاوزًا لكافة القرارات الأممية ذات الصلة.
لقد أشارت التصريحات إلى عدد من المفاهيم التي قال عنها إنها شخصية وتعبر عن قناعاته الدينية، وأبرزها:
– أن لشعب إسرائيل الأرض من وادي النيل في مصر إلى وادي الفرات في العراق، وأن هذا هو وعد الله لإبراهيم وذريته من بني إسرائيل.
– أن هذه المناطق تشمل المشرق العربي الذي يضم سوريا ولبنان والأردن والضفة الغربية ومناطق من مصر والسعودية والعراق.
– أنه لا يعلم إلى أي مدى يمكن حدوث ذلك على الأرض في ظل واقع الجغرافيا السياسية الحالية، لكنه واثق من أن هذا ينطبق على مساحات كبيرة من الأراضي.
– أنه يتمنى من وجهة نظره الشخصية أن تسيطر إسرائيل على كل هذه الأراضي بكل السبل الممكنة.
وبالرغم مما أحدثته هذه التصريحات من صدمة لدى الرأي العام والمؤسسات المعنية، فإن الولايات المتحدة لا تزال تلتزم الصمت، بالرغم من التناقض البيّن بين سياستها المعلنة وتصريحات سفيرها في إسرائيل، وهو ذات الموقف الذي اتخذته الولايات المتحدة إزاء تصريحات سابقة للسفير نفسه حول حل الدولتين، وحق إسرائيل في ضم الضفة الغربية إلى حدودها المعلنة، وهو الأمر الذي دعا المملكة العربية السعودية إلى مطالبة واشنطن بموقف واضح تجاه هذه التصريحات التي اعتبرتها تمثل تهديدًا للسلم العالمي ومخالفة القانون الدولي، كما أن العديد من الدول الأخرى أدانت هذا الموقف وتساءلت عن معنى صمت الإدارة الأمريكية تجاه هذه التصريحات.
أما مصر فقد أدانت هذه التصريحات التي تضمنت مزاعم بشأن أحقية إسرائيل في أراضٍ تابعة لدول عربية باعتبارها تمثل خروجًا سافرًا على مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وأعربت القاهرة عن استغرابها إزاء صدور هذه التصريحات التي تتناقض مع الرؤية التي طرحها الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» والنقاط العشرين ذات الصلة بإنهاء الحرب في قطاع غزة، وكذلك مؤتمر مجلس السلام الذي عقد بواشنطن يوم 19 من فبراير 2026.
وأكدت مصر مجددًا، في البيان الصادر، أنه لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية مشددة على رفضها القاطع لأي محاولات لضم الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، وكذلك رفض توسيع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة. وإلى جانب هذا البيان جرت اتصالات مصرية مع الإدارة الأمريكية خلال الساعات القليلة الماضية، حذرت فيها القاهرة من تداعيات هذه التصريحات على الرأي العام المصري والعربي، وأيضًا على مصداقية المبادرة الأمريكية التي طرحها الرئيس «دونالد ترامب» خلال قمة شرم الشيخ التي أقرت ببنود هذه المبادرة التي اعتبرتها مصر وغيرها من الدول المشاركة بداية مهمة لوقف إطلاق النار، تدفع إلى السعي للتوصل إلى أفق سياسي يؤدي إلى حل الدولتين.
وفي وقت لاحق أصدرت وزارات خارجة كل من مصر والسعودية والأردن والبحرين والإمارات وقطر وإندونيسيا وباكستان وتركيا وسوريا وفلسطين والكويت ولبنان وسلطنة عمان، وأمانات مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بيانًا أكدت فيه الآتي:
– الإدانة الشديدة والقلق البالغ إزاء التصريحات الصادرة عن سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل والتي أشار فيها إلى قبول ممارسة إسرائيل سيطرتها على أراضٍ تعود لدول عربية بما في ذلك الضفة الغربية المحتلة.
– الرفض القاطع لمثل هذه التصريحات الخطيرة والاستفزازية التي تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتشكل تهديدًا جسيمًا لأمن المنطقة واستقرارها.
– أن هذه التصريحات تتعارض مع الرؤية التي طرحها الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، وكذلك مع الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة، والتي تقوم على احتواء التصعيد وتهيئة أفق سياسي لتسوية شاملة تكفل للشعب الفلسطيني إقامة دولته المستقلة.
– أن أية تصريحات تسعى إلى إضفاء الشرعية على السيطرة على أراضي الغير تقوض قيم التسامح والتعايش السلمي وتؤجج التوترات وتشكل تحريضًا بدلًا من الإسهام في إحلال السلام.
– التأكيد على أنه لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو على أي أراض عربية محتلة أخرى، مع التأكيد على الرفض التام لأي محاولات لضم الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، وعن معارضتها الشديدة لتوسيع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة ورفضهم القاطع لأي تهديد لسيادة الدول العربية.
– التحذير من أن استمرار السياسات التوسعية والإجراءات غير القانونية التي تنتهجها إسرائيل لن يؤدي إلا إلى إشعال مزيد من العنف والصراع في المنطقة وتقويض فرص السلام.
– الدعوة إلى وضع حد لهذه التصريحات التحريضية، مع التأكيد على التزام الدول الموقعة على البيان بالحق غير القابل للتصرف للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وإنهاء الاحتلال لجميع الأراضي العربية المحتلة.
سيناريوهات متوقعة:
من الواضح أن هذه التصريحات الغاضبة تجاه ما أدلى به السفير الأمريكي لدى المحتل الإسرائيلي لن تكون نهاية المطاف، ذلك أن الأمر تعدى حدود المعقول بالعودة إلى مقولات توراتية، توارى خلفها الحديث عن حقوق الشعب الفلسطيني إلى أطماع إسرائيل في المنطقة تحت شعار «أرضك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات».
في كل الأحوال لا يمكن فصل هذه التصريحات عن الإجراءات التي تتخذها إسرائيل في الضفة الغربية من أعمال عنف وهدم للمنازل وتهجير للفلسطينيين، حتى بدا الأمر وكأن هناك اتفاقًا بين السفير الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية للتمهيد لهذا السيناريو الذي يستهدف إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط لمصلحة إسرائيل، ووفقًا للرؤية التوراتية التي باتت مطروحة في الوقت الراهن.
إن الصمت الأمريكي حتى الآن يدعو للتساؤل عن حقيقة موقف واشنطن، ما بين تصريحات معلنة وأطروحات معادية لسفيرها في تل أبيب.
صحيح أن موقف الإدارة الأمريكية لا يفي بالحد الأدنى للحقوق الفلسطينية المشروعة أو القرارات الدولية ذات الصلة، ولكن الأطراف العربية ترى في الموقف الراهن بداية يمكن البناء عليها، ومن هنا كانت الصدمة من جراء تصريحات السفير الأمريكي في تل أبيب، حيث ينظر كثير من المراقبين إلى أن هذه التصريحات ما كان لها أن تظهر إلى العلن دون اتفاق إسرائيلي-أمريكي مسبق.
إن التطبيق العملي لهذه التصريحات ينعكس فيما يجري حاليًا في الضفة الغربية من تطهير عرقي وإجبار السكان الفلسطينيين على الهجرة من بيوتهم، تمهيدًا لضم الضفة التي يسمونها «يهودا والسامرة» إلى حدود إسرائيل، بغض النظر عن المواقف الإقليمية والدولية.
لقد انطلقت أصوات اليمين الديني في «إسرائيل» تطالب بإلغاء اتفاقية «أوسلو 93»، وهو ما يعني تقويض السلطة الفلسطينية والتخلي عن كافة التعهدات الإسرائيلية التي وقع عليها رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل «إسحاق رابين» الذي لقى حتفه على يد أحد المتطرفين الإسرائيليين، وهي تعهدات تم تفريغها من مضمونها ولم يبق سوى الإعلان عن الموت النهائي لها، مما يفتح الباب واسعًا أمام إعلان إسرائيل ضم الضفة الغربية رسميًا إلى حدودها، ومن ثم تهجير الفلسطينيين إلى الأردن عنوة وبالقوة.
إن مخطط الشرق الأوسط الجديد وإعادة رسم الخرائط لمصلحة إسرائيل بات مطروحًا وبشدة، ومن هنا يبقى السؤال: ماذا نحن فاعلون؟ وهل سيبقى الموقف العربي مقصورًا فقط على إصدار البيانات وفقط؟
اقرأ أيضاًأستاذ علوم سياسية: تصريحات السفير الأمريكي خروج واضح عن الإطار الحاكم للعلاقات الدولية
مصر تدين تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل وتؤكد ثوابت موقفها من القضية الفلسطينية
ردا على مزاعم سفير أمريكا بإسرائيل “الحق التوراتي”من النيل إلى الفرات

